السعيد شنوقة
241
التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة
منخدع * « 1 » . وقول ذي الرمة : * إن الحليم وذا الإسلام يختلب * « 2 » . أي أن الحليم والمسلم يخدع . قال الشريف الجرجاني : يقصد أن صيغة المخادعة تقتضي صدور الفعل من كل واحد من الجانبين متعلقا بالآخر وخدع المنافقين الله تعالى هو أن يوقعوا في علمه خلاف ما يريدون به من المكروه ويصيبوه به ممّا لا خفاء في استحالته . أما خداع الله تعالى إياهم فبأن يوقع في أوهامهم خلاف ما يريد بهم من المكاره ليغترّوا ثم يصيبهم به ؛ إلا أن هذا قبيح على مذهب الزمخشري لامتناع صدوره عن الله عز وجل ، وأيضا من المعلوم أن حاله تعالى مع المنافقين لم يكن حقيقة هذا المعنى المذكور ، وأن المؤمنين وإن جاز أن ينخدعوا بما رأوا منهم من غير أن يرجع إليهم في ذلك نقصان ، لم يجز أن يقصدوا خدعهم لأنه غير مستحسن بل هو مستهجن يذمّ به « 3 » . وهو عند أهل السنة وإن جاز أن يوقع الله تعالى في أوهام المنافقين خلاف ما يريده من المكاره ليغترّوا ثم يصيبهم به إلا أنه يمتنع أن ينسب إليه لما يوهمه أنه إنما يكون عن عجز عن المكافحة وإظهار المكتوم « 4 » . وليس في هذا أي خلاف بينهم وبين المعتزلة فيما نرى لأن الله عز وجل لا يخدع ولا يخدع . والتقدير عند المعتزلة بمعنى العلم لا الإرادة ، بيّنه الزمخشري واستدل عليه في الآية إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ [ الحجر : 60 ] حين قال : « فإن قلت : لم جاز تعليق فعل التقدير في قوله : قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ والتعليق من خصائص أفعال القلوب ؟ قلت : لتضمّن فعل التقدير معنى العلم ولذاك فسّر العلماء تقدير
--> ( 1 ) لبيت الكامل ذكره الشريف الجرجاني في حاشيته ؛ الكشاف ، ج 1 ، ص 171 . لا خير في الحب لا ترجى نوافله * فاستمطروا من قريش كل منخدع تخال فيه إذا خاتلته بلها * عن ماله وهو وافي العقل والورع ( 2 ) والبيت بأكمله هو : تلك الفتاة التي علقتها عرضا * إن الحليم وذا الإسلام يختلب . انظر حاشية الشريف الجرجاني ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص 171 . ( 3 ) انظر م ن ، هامش الكشاف ، ج 1 ، ص 170 - ، 171 وانظر الزركشي ، البرهان في علوم القرآن ، ج 3 ص 74 ، ج 4 ، ص 69 . ( 4 ) الألوسي ، روح المعاني ، ج 1 ، ص 145 .